أبناء مصر
الخميس 14 مايو 2026 مـ 07:32 صـ 27 ذو القعدة 1447 هـ
حزب أبناء مصر
رئيس الحزب م. مدحت حسنين بركات
ولاء حسن.. ساحرة الجمال التي خطفت قلوب النجمات والعرائس بلمساتها المبهرة الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية: الحروب قد تهدم المدارس والجامعات.. لكنها يجب ألّا تهدم حق الأطفال والشباب في المعرفة والتحصيل العلمي بسمة السليمان في البرتغال.. رحلة بين الفن والذاكرة وتحولات المكان فرحة كبيرة في عائلة عمرو الجزار.. خطوبة بنت شقيقته دينا في أجواء مبهجة لأول مرة في مصر.. منصة Cinema Track تكشف أسرار الإيرادات استعدادا لموسم الحج 2026.. «الصحة» تكثف خدماتها الوقائية والتثقيفية لضيوف الرحمن بالمطارات والموانئ وزير الخارجية يتلقى اتصالا هاتفيا من نظيره الإيطالي نيودلهي تستضيف الدورة الرابعة لقمة منتدى الهند إفريقيا تحت شعار الشراكة من أجل الابتكار والتحول الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية: على الجامعات تطوير مناهجها لمواكبة الثورة التكنولوجية وإعداد خريجين مؤهلين لوظائف المستقبل قوانين الأسرة بين إنصاف المرأة واستقرار المجتمع: هل نحتاج إعادة توازن؟ بقلم: د. رحاب عبد المنعم غزالة ​آلان مصطفى يتصدر التريند.. قصة التوقعات التي أعادت ”خبير الطاقة” إلى الواجهة نورهان قنديل: تكليفي بأمانة المحتوى والتأثير المجتمعي بـ حزب مستقبل وطن مسؤولية ورسالة لبناء وعي حقيقي

آندي هاديانتو يكتب: إعادةُ تعريفِ تنقيةِ الإسلام: نحو إيمانٍ صافٍ وإنسانيةٍ فاعلة

في واقع التدين المعاصر، تبرز ملامح مقلقة لا يمكن تجاهلها. فقد تعزّزت نزعة ثنائية تُقسّم العالم إلى “نحن” و“هم”، و“الحق” و“الباطل”، ضمن حدود صارمة تكاد تُقصي إمكان اللقاء والتفاهم. وباتت الحقيقة تُختزل في نطاق ضيق، وكأنها حكر على جماعة بعينها، بينما يُدفع الآخر إلى خانة الخصومة أو التهديد. ومن هنا تنشأ نزعات إقصائية، وسرعة في إصدار الأحكام، بل وقد تتطور إلى سلوك عدواني يجد لنفسه مسوغات دينية. وفي بعض الحالات، لا يقف الأمر عند حدود الخطاب، بل يتجاوزها إلى تبرير الصراع، وتسويغ العنف، بل وحتى سفك الدماء وتدمير الأوطان باسم الدين.

وفي الوقت نفسه، يبرز نمط من التدين الجامد الأحادي، الذي يرفع شعار العودة إلى منهج السلف، لكنه في ممارساته يحدّ من حيوية التفكير ويُضيّق أفق الوعي. إذ يُقدَّم الدين في قوالب صلبة، ويُعرض الإسلام بوجه متصلّب ومنغلق، بعيد عن روح الإنسانية ومتطلبات العمران. وتتقلص مساحات الاجتهاد، ويُنظر إلى التعدد الفكري بوصفه تهديداً لا ثراءً، فتتراجع الحيوية التي طالما ميّزت التجربة الحضارية الإسلامية.

ويزداد هذا المشهد تعقيداً في ظل تصاعد النزعة المادية، التي لم تقتصر على أنماط العيش، بل امتدت إلى المجال الديني ذاته. فقد تأثر الخطاب الديني بمنطق البراغماتية، واختلطت فيه القيم الروحية بالطموحات السياسية، ونزعات الهيمنة، وشهوة السلطة. وفي هذا التداخل، تُستَخدم المفاهيم الدينية أحياناً لتبرير الصراع أو فرض النفوذ، فتفقد دلالاتها الأصيلة، ويتحوّل الدين من مصدر للهداية إلى أداة للتوظيف. ونتيجة لذلك، تتشكل صورة مشوّهة عن الإسلام، حيث يُنظر إليه—في بعض السياقات—بوصفه ديناً قاسياً، ميالاً إلى العنف، ومنافياً لقيم السلم والحضارة.

وإذا تعمّقنا في هذه الظواهر، يبرز سبب يرتبط بطبيعة التعليم الديني والخطاب الدعوي السائد. فبدلاً من أن يسهم في تربية القلوب على اللين، وتنمية الحسّ الإنساني، وتعميق الوعي الروحي، يبدو أنّ جزءاً من الممارسة التعليمية والدعوية لم ينجح في تحقيق هذا المقصد. بل قد يسهم—من حيث لا يُقصد—في تكريس أنماط من التدين تُغذّي القسوة بدل الرقة، والانغلاق بدل الانفتاح. إذ يركّز هذا الخطاب في كثير من الأحيان على الجوانب الشكلية والحدّية، ويُعزّز نزعة المفاصلة الحادّة، دون أن يواكبه بناءٌ متدرّج للوعي أو تربيةٌ عميقة للوجدان، فتتشكل نفسية دينية تميل إلى الصرامة أكثر من الرحمة، وإلى الحكم أكثر من الفهم.

ومن هنا تتكوّن بيئة داخلية تُمهّد لقسوة القلب؛ إذ لا يعود القلب مُدرَّباً على الترقّي والتهذيب، بل يتعوّد على الانغلاق والتصلّب. فعندما يتوقف القلب عن النموّ الروحي، ويفقد حركته في التزكّي والارتقاء، تتبدّل طبيعته تدريجياً؛ فيفقد صفاءه، وتضيق رؤيته، ويعجز عن إدراك تعقيد الواقع وتعدديته. وعندئذٍ يميل إلى التبسيط الحاد، ويرى العالم في صورة ثنائيات متقابلة لا تحتمل التدرج ولا الاختلاف. كما أن القلب القاسي يفقد رقّته، فلا يتفاعل مع معاناة الآخرين، فتضعف فيه الرحمة، ويشتد الحكم القاسي، وتتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات حادّة، وبذلك تُعاد إنتاج الأزمة ذاتها في الفكر والسلوك معاً.

وتنعكس قسوة القلب أيضاً على فهم الدين واستيعابه. فبدلاً من أن يكون الفهم عميقاً ومتجدداً، يتحول إلى قراءة جامدة تكتفي بظاهر النصوص دون النفاذ إلى مقاصدها. وتُفهم التقاليد بمعزل عن سياقاتها، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه انحرافاً لا تنوعاً مشروعاً. وفي هذا المناخ، يبحث العقل عن يقين بسيط وسريع، بدلاً من سعي جاد نحو الحقيقة المركبة، فيغدو التدين أقرب إلى التماثل الشكلي منه إلى الحيوية المعنوية.

وفضلاً عن ذلك، فإن القلب الذي يفقد عمقه الروحي يصبح أكثر عرضة للانجذاب إلى المصالح الدنيوية. فتتسلل الاعتبارات السياسية والمصلحية إلى المجال الديني، ويُستَخدم الدين لتبرير النفوذ والهيمنة. وفي مثل هذه الحالات، تُفرغ القيم الكبرى من مضمونها، بل وقد يُلبَس العنف لبوساً دينياً يمنحه مشروعية زائفة. وهنا يفقد الدين روحه، وإن بقي حاضراً في مظهره الخارجي.

وأمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة لاستحضار ما طرحه محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية، حيث يؤكد أن التدين الحق هو معراج روحي متواصل، لا يتوقف عند حد، ولا ينتهي عند مرحلة. فالدين، في جوهره، ليس مجرد التزام شكلي، بل مسار صعود داخلي يرفع الإنسان من ضيق الأفق إلى سعته، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن القسوة إلى اللين، ومن الغفلة إلى الوعي. وإذا استمر هذا المعراج، بقي القلب حياً متجدداً، قادراً على التلقي والفهم؛ أما إذا توقف، تحوّل إلى قلب قاسٍ، وانطفأ فيه نور البصيرة.

ومن ثمار هذا المعراج أن تتشكل لدى الإنسان نظرة شفافة مرهفة؛ نظرة تتسم بالصفاء والعمق، ترى الواقع بلا تشويه، وتفهمه في تعقيده، وتشعر بالآخرين بصدق، وتتعامل مع الاختلاف بحكمة. فهي نظرة لا تنخدع بالمظاهر، ولا تختزل الحقيقة، ولا تستعجل الحكم. وكلما ارتقى الإنسان روحياً، اتسعت رؤيته، وازدادت إنسانيته، وأصبح أكثر ميلاً إلى المحبة، وأبعد عن الكراهية، وأكثر قدرة على الجمع بين الفهم والرحمة.

والروحانية هنا لا تبقى حبيسة الداخل، بل تنعكس في الواقع المعيش. فالقلب الصافي يترجم نفسه في السلوك: عدلاً في المواقف، ورحمة في العلاقات، وإحساناً في الأفعال. إنها روحانية تُنتج حياة ذات معنى، وتُسهم في بناء حضور إنساني مؤثر، وتُسهم في تشكيل مجتمع أكثر توازناً وإنسانية. فهي تجمع بين عمق التجربة الداخلية وفاعلية الأثر الخارجي.

ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة تعريف تنقية الإسلام على نحو أعمق وأشمل. فالتنقية لا ينبغي أن تُختزل في المظاهر أو الشعارات أو الاكتفاء بالجانب الشكلي من التدين، بل هي عملية مستمرة لتصفية الباطن من شوائب الأهواء، وتحرير الإيمان من قبضة المصالح الضيقة، وإعادة توجيه الوعي نحو المقاصد الكبرى للدين. إنها جهد لإعادة وصل الظاهر بالباطن، والشكل بالمعنى، والعمل بالنية، بحيث يستعيد الدين روحه الحية ودوره البنائي في الحياة. وعندما تتحقق هذه التصفية الداخلية، تتسع الرؤية، ويتحرر الإنسان من ضيق الأفق، ويصبح قادراً على فهم الدين في شموليته وعمقه.

وفي النهاية، فإن الإسلام الصافي هو الإسلام الإنساني؛ إسلام ينظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقاً مكرّماً، يستحق الاحترام والرعاية، لا الإقصاء أو الإدانة المسبقة. وهو إسلام يتجه نحو بناء الحضارة، ويعمل على ترسيخ الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدل، وبسط الأمن والسلام في حياة الناس. لا يُقدَّم بوصفه منظومة مغلقة، بل بوصفه رؤية مفتوحة قادرة على التفاعل مع الواقع، والاستجابة لتحدياته، والمساهمة في تطويره. إنه إسلام لا يأتي بوجه مخيف، بل بحضور مطمئن؛ لا يزرع الفرقة، بل يبني الجسور؛ لا يضيّق على الناس، بل يوسّع عليهم آفاق العيش الكريم.

وهو أيضاً إسلام يحرّر الإنسان من قيود الجهل، ومن أسر الكراهية، ومن ضيق الأفق الذي يحجبه عن رؤية الحقيقة في تنوعها. إسلام يفتح أبواب الحوار، ويعلي من قيمة التعارف، ويجعل من الاختلاف مساحة للتكامل لا للتصادم. يتجلى هذا الإسلام في الواقع من خلال أفعال تبني وتصلح وتسهم في عمران الحياة، لا من خلال شعارات تُرفع دون أثر. إنه الإسلام الذي يكون رحمة للعالمين—رحمة محسوسة في السلوك، وملموسة في العلاقات، وحاضرة في البناء الحضاري. وكل ذلك يبدأ من منبع واحد: قلب حيّ، متجدد، يواصل صعوده في معراجه الروحي، ولا يسمح لنفسه أن يتوقف أو يتجمّد، لأن في توقفه بداية القسوة، وفي حركته استمرار الحياة.


*آندي هاديانتو – محاضر التربية الإسلامية بجامعة جاكرتا الحكومية / رئيس رابطة أساتذة التربية الإسلامية الإندونيسية


موضوعات متعلقة