محمد عمر يكتب: مأرب ومعادلة القيادة في اليمن

من يتابع تطورات اليمن خلال السنوات الأخيرة يدرك أن مأرب لم تعد مجرد محافظة طرفية، بل أصبحت قلب المعادلة الوطنية ومحور الصراع والاستقرار معًا، ومنذ العام 2015 ومع اشتداد المواجهات في مناطق مختلفة برزت مأرب كنقطة ارتكاز سياسي واقتصادي وأمني ومن يفهم ما يجري فيها يستطيع قراءة مستقبل اليمن بأكمله.
قيادة الشيخ سلطان العرادة: تجربة استثنائية
لا يمكن الحديث عن مأرب اليوم دون التوقف عند تجربة الشيخ سلطان العرادة الذي تولى قيادة المحافظة في واحدة من أصعب المراحل بتاريخ اليمن الحديث، ومنذ تعيينه محافظًا عام 2012 وحتى اشتداد الحرب بعد 2015 أثبت العرادة قدرة لافتة على الحفاظ على تماسك مأرب رغم أنها كانت على خط المواجهة الأول.
ما يميّز العرادة أنه لم يعتمد فقط على نفوذه القبلي أو موقعه الرسمي بل عمل على بناء شبكة واسعة من التفاهمات مع القبائل، والقوى السياسية، ورجال الأعمال، وحتى المنظمات الإنسانية، وهذا التوازن جعل مأرب تبدو أحيانًا وكأنها "جزيرة استقرار" وسط محيط من الأزمات.
مأرب بين الاقتصاد والسياسة
تضم مأرب أهم حقول النفط والغاز في اليمن ومنشأة صافر الاستراتيجية التي توفّر جزءًا كبيرًا من الطاقة للبلاد، ورغم التهديدات العسكرية المتكررة، حافظت قيادة المحافظة على استمرار الإنتاج وحماية البنية التحتية، وهو ما ساعد في تمويل جزء من احتياجات الدولة ودعم الاقتصاد الوطني في أصعب الظروف.
سياسيًا تحولت مأرب إلى مركز مهم للشرعية ما أضفى على المحافظة ثقلًا جديدًا وأكسبها رمزية سياسية لم تكن موجودة قبل الحرب.
البعد الاجتماعي والقبلي
مأرب محافظة ذات طابع قبلي واضح والقبائل هناك تتمتع بتاريخ طويل لكن قيادة العرادة نجحت في تحويل هذا البعد إلى عنصر استقرار.
أحد الشيوخ المحليين ذكر في لقاء مع إحدى القنوات أن "سلطان العرادة يعرف كيف يتحدث معنا بلغتنا، ويحترم أعرافنا، وهذا ما جعلنا نقف معه في أصعب اللحظات" وهذه الشهادة تلخّص سر نجاح الرجل في بيئة معقّدة.
الأمن والاستقرار
رغم القصف المستمر ومحاولات الاختراق الأمني حافظت مأرب على مستوى استقرار لافت مقارنة بمناطق أخرى، ونجاح العرادة في تنظيم قوات الأمن المحلي وتفعيل دور المجتمع في الحماية جعل المحافظة بعيدة نسبيًا عن الفوضى التي ضربت محافظات أخرى.
البعد الرمزي والتاريخي
منذ عهد الملكة بلقيس وسد مأرب التاريخي ارتبط اسم مأرب بالحضارة والاستقرار وخلال الحرب الأخيرة استُحضر هذا الإرث في خطاب القيادات المحلية لإعطاء بُعد رمزي لمعركة الدفاع عن المحافظة وكأن سقوط مأرب يعني سقوط رمز اليمن الحضاري بأكمله.
خلاصة
ما جرى في مأرب خلال العقد الأخير يثبت أن القيادة ليست مجرد موقع رسمي بل هي قدرة على إدارة الأزمات وبناء التحالفات وحماية المصالح العامة، والشيخ سلطان العرادة مثّل نموذجًا واضحًا لذلك وحوّل مأرب من محافظة مهددة بالسقوط إلى مركز ثقل وطني.
مستقبل اليمن سيظل مرهونًا إلى حد كبير بمصير مأرب وأي مشروع لإعادة بناء الدولة يجب أن يبدأ من حيث نجحت مأرب في الصمود والتنظيم رغم كل العواصف.