أبناء مصر
حزب أبناء مصر

محمد عمر يكتب: هل يمكن لمأرب أن تغيّر مسار الأزمة اليمنية؟

مأرب تحت المجهر
-

مأرب لم تعد مجرد مدينة في الخريطة اليمنية بل تحولت إلى مركز ثقل سياسي وعسكري، ومختبر حي لصراع النفوذ بين مشاريع متناقضة، وهذه المدينة التي وقفت في وجه المليشيات الحوثية سنوات طويلة دفعت في الوقت نفسه ثمنا باهظا لصراعات الداخل ومحاولات جماعات الإسلام السياسي فرض هيمنتها تحت غطاء الشراكة والنضال المشترك.

على تخوم مأرب تقف المليشيات الحوثية كأكبر تهديد مباشر مدفوعة بأجندة واضحة للسيطرة على كل ما تبقى خارج قبضتها في الشمال، ولكن ما يحدث داخل المدينة لا يقل خطورة؛ إذ تمددت جماعات الإسلام السياسي في مؤسسات القرار وحوّلت ساحة المقاومة إلى ساحة نفوذ خاصة بها، وأقصت من خلالها الأصوات الوطنية المستقلة بل وحتى حلفاء السلاح من أبناء مأرب أنفسهم، وهذا التمدد لم يأت فجأة بل جرى على مراحل إلى أن تحول إلى شبكة معقدة تتحكم بالقرار وتدير المشهد بما يخدم مصالحها الضيقة.

ورغم هذا كله برزت شخصيات وطنية تمسّكت بخيار الدولة فوق أي اعتبار وأدارت توازنات دقيقة في لحظات مفصلية، حافظت خلالها مأرب على تماسكها ومنعت سقوطها الكامل في أيدي المليشيات الحوثية، حتى في الوقت الذي كان فيه الحلفاء في الداخل يتنازعون النفوذ وهذه الأدوار غالبا لم تأخذ حجمها الإعلامي لكنها صنعت فارقا حقيقيا في مسار الأحداث، وأثبتت أن الصوت الوطني الصادق يمكن أن يبقى حاضرا مهما حاولت الأطراف الأخرى تهميشه.


اليوم تقف مأرب فوق الجمر محاصرة بالمليشيات الحوثية من الخارج، ومكبلة بجماعات الإسلام السياسي من الداخل فيما الكتلة الوطنية من القبائل والقيادات السياسية والعسكرية تدفع ثمن الإقصاء الممنهج، وهذه المعادلة المعقدة هي التي أطالت أمد الحرب، لأن أي مشروع وطني حقيقي يجد نفسه بين مطرقة الحوثيين وسندان الإسلام السياسي، وكلاهما لا يؤمن بالتعددية ولا بمفهوم الدولة المدنية.


الدعم الإقليمي والدولي بدوره وقع في خطأ قاتل حين راهن على جماعات الإسلام السياسي باعتبارها شريكا مؤقتا في مواجهة المليشيات الحوثية والتجربة أوضحت أن هذه الجماعات لا تختلف في جوهرها عن الحوثيين، إذ تسعى لاحتكار السلطة بذات القدر، وتستخدم الخطاب الديني والمظلومية كسلاح سياسي للبقاء أطول فترة ممكنة وهذا الدعم إن لم يعاد توجيهه نحو بناء مؤسسات دولة حقيقية وتمكين قوى وطنية مستقلة تعبّر عن كل اليمنيين فسيبقى الوضع يدور في الحلقة المفرغة ذاتها.

مأرب هي قلب اليمن النابض ومصيرها سيحدد ملامح المستقبل إن تحررت من قبضة المليشيات الحوثية ومن هيمنة الإسلام السياسي معًا، يمكن لليمن أن يخطو خطوة حقيقية نحو دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، أما إذا استمرت أسيرة لمشاريع ضيقة متصارعة فإن النار ستبقى تحت الرماد وسيظل اليمن كله يدفع ثمن الانقسام والفوضى.